تستعرض مجلة «نيو لاينز» في تقرير التحول في الموقف المصري تجاه الصراع بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن، مع استعداد القاهرة لتقديم دعم عسكري للرياض في مواجهة الهجمات الحوثية. وتعكس هذه الخطوة توجهاً مصرياً نحو حماية أمن المملكة، لكنها قد تدفع مصر أيضاً إلى الانخراط في صراع إقليمي متصاعد، بما يحمله ذلك من مخاطر على أمنها واقتصادها الهش.
 

وأشار تقرير مجلة «نيو لاينز»، إلى أن مصر تستعرض قوتها العسكرية استعداداً للمساهمة في الدفاع عن السعودية، بعدما باتت ترى أن أمن المملكة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار المنطقة. غير أن أي تحرك عسكري قد يستفز الحوثيين ويدفعهم إلى شن هجمات انتقامية مستمرة، قد تستهدف البنية التحتية المصرية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، بما يفتح الباب أمام مزيد من الاضطرابات الداخلية والإقليمية.


ويفسر ذلك جانباً من السياسة الخارجية المصرية التي اتسمت تقليدياً بالحذر، واستمرت على هذا النهج خلال فترة حكم رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي. ففي عام 2015، لم تشارك مصر في التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين، كما لم تنضم إلى اتفاق مكة الأخير، وهو تحالف دفاعي يضم تركيا والسعودية وباكستان. لكن القاهرة باتت ترى حالياً أن البقاء على هامش الصراع يشكل تهديداً لأمنها يفوق مخاطر إظهار قوتها والتدخل لحماية مصالحها.
 

 

الدعم العسكري للسعودية ومخاوف الرد الحوثي
 

بدأ الحوثيون بالفعل محاولة تغيير حسابات القاهرة، إذ أعلنت الجماعة المدعومة من إيران، في 27 أكتوبر، اعتبار قرار مصر مساعدة الرياض «إعلان حرب». وجاء التصريح بعد يوم واحد من موافقة البرلمان المصري على طلب السيسي تقديم دعم عسكري للسعودية إذا دعت الحاجة إلى ذلك.


ويرى أحمد أبو دّوح، الباحث المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد تشاتام هاوس، أن مصر تستعد لإدارة المخاطر بصورة استباقية.


وقال أبو دّوح لمجلة «نيو لاينز» إن العمليات المصرية ستكون على الأرجح دفاعية، لكن ذلك قد لا يقتصر على حماية الأراضي السعودية، بل قد يشمل أيضاً الدفاع عن مصر عبر محاولة الحد من قدرة الحوثيين على استهداف المصالح المصرية.


وأضاف أن الدور المصري سيقتصر، على حد تقديره، على الدفاع الجوي والبحري.


وأوضح أن اتساع مساحة السعودية ووجود منشآت حيوية واستراتيجية على أراضيها يجعلان اعتراض موجات الهجمات الجوية الحوثية مهمة صعبة، وهو ما قد تساعد مصر في مواجهته.


وفي 10 أكتوبر، استهدف الحوثيون مطار الرياض الدولي، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين، في أعنف هجوم تتعرض له المملكة منذ أكثر من عقد.


كما يتوقع أبو دّوح دخول قطع بحرية مصرية إلى مضيق باب المندب لحماية هذا الممر الاستراتيجي من الهجمات الحوثية. وتعبر السفن التجارية المضيق للوصول إلى قناة السويس، التي تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد المصري وأحد أكثر مصادر النقد الأجنبي موثوقية.


وكانت هجمات الحوثيين على حركة الملاحة في البحر الأحمر خلال عام 2024، والتي استهدفت الضغط على إسرائيل لإنهاء حربها على غزة، قد دفعت السفن التجارية إلى تغيير مساراتها بعيداً عن قناة السويس. ولم تتجاوز إيرادات مصر من حركة الشحن التجاري عبر القناة 4 مليارات دولار في ذلك العام، مقارنة بـ10.2 مليارات دولار خلال العام السابق.


وتتضاعف المخاطر في ظل ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، الأمر الذي يزيد تكلفة الواردات الأساسية ويدفع مزيداً من المصريين إلى دائرة الفقر.

 


هشاشة الاقتصاد المصري ومخاطر التصعيد العسكري


دخل الاقتصاد المصري مساراً متراجعاً منذ وصول السيسي إلى السلطة في انقلاب في يوليو 2013، إذ اعتمد بصورة كبيرة على القروض الخارجية لتمويل مشتريات الأسلحة ومشروعات البنية التحتية الضخمة التي تعزز نفوذ المؤسسة العسكرية وتعود عليها بمكاسب اقتصادية.


غير أن هذا النموذج الاقتصادي أخفق في تعزيز الصادرات المصرية، وقلص مساحة القطاع الخاص، بالتزامن مع تضخم أعباء الديون. وخلال شهري يوليو وأغسطس 2026، أنفقت مصر ما لا يقل عن 96% من إيراداتها الحكومية على مدفوعات الفوائد.


وقد تدفع الهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية الاقتصاد المصري إلى مستويات أكثر تدهوراً، نتيجة إثارة مخاوف المستثمرين والسائحين وتعطيل الصادرات. وقد يؤدي ذلك بدوره إلى مزيد من تراجع قيمة العملة المحلية، التي هبطت مؤخراً إلى 56 جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي.


وترجح نانسي عقيل، الخبيرة في الشأن المصري والرئيسة التنفيذية لمركز السياسات الدولية، أن تساعد السعودية مصر على تجنب الانهيار الاقتصادي إذا تعرضت لهجمات حوثية.


لكنها حذرت من أن الدعم المصري المحسوب للرياض قد يجر القاهرة إلى مستنقع إقليمي. وقالت عقيل لمجلة «نيو لاينز» إن نشر قوات بصورة محدودة قد يؤدي إلى مقتل أحد الضباط، وهو ما قد يثير ضغوطاً داخلية على الحكومة المصرية للرد عسكرياً.


ومع ذلك، فإن الابتعاد عن الصراع قد لا يوفر لمصر الحماية من الهجمات الانتقامية. ففي يوليو، استهدفت طائرة مسيرة ميناء دمياط على البحر المتوسط، ما تسبب في اندلاع حريق امتد إلى سفينتين للغاز.


ورغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، يرجح محللون على نطاق واسع وقوف جماعة مسلحة مدعومة من إيران وراءه.


السعودية وتوازنات البحر الأحمر تدفعان القاهرة إلى التدخل


قال حازم هليير، الباحث المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن الهجمات الحوثية على السعودية عززت شعور مصر بضرورة التحرك العاجل وتولي دور إقليمي أكثر فاعلية.


وأوضح أن القاهرة تنظر إلى السعودية باعتبارها قوة موازنة مهمة لمحور إيران، وكذلك لما وصفه بمشروع إسرائيل الرامي إلى فرض «الهيمنة المطلقة» على المنطقة، بما يتيح لها انتهاك الأعراف والقواعد المستقرة كلما رأت ذلك مناسباً.


وتتنافس الإمارات أيضاً مع مصر والسعودية على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.


وقال هليير إن مصر تعتبر استقرار السعودية عنصراً بالغ الأهمية للنظام الإقليمي بأكمله، مشيراً إلى أن استمرار الهجمات على المملكة قد يقوض قدرتها على بسط نفوذها، بما يهدد المصالح الأمنية المصرية.


وخلال السنوات القليلة الماضية، تقاربت القاهرة والرياض بشأن عدد من الأهداف المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن البحري، ولا سيما أمن البحر الأحمر. كما يدعم البلدان إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، ويساندان الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.


وأضاف هليير لمجلة «نيو لاينز» أن مصر تتبنى منذ فترة طويلة نهجاً إقليمياً يقوم على تجنب التصعيد وعدم افتعال العداوات دون ضرورة، لكنها قررت في هذه الحالة أنها لا تستطيع ترك السعودية تتعرض لهذه الهجمات دون تدخل.


ويكشف التحول في الموقف المصري عن معادلة أمنية معقدة؛ فبينما تسعى القاهرة إلى حماية حليف استراتيجي والحفاظ على أمن البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية، تواجه في الوقت نفسه مخاطر الانجرار إلى مواجهة عسكرية قد تزيد الضغوط على اقتصاد يعاني بالفعل من ارتفاع الديون وتراجع العملة وتزايد أعباء المعيشة.

 

 

https://newlinesmag.com/running-notes/why-egypt-is-moving-off-the-sidelines-in-the-saudi-houthi-conflict/